المواضيع الأخيرة
» اللحية: الأمر بالإعفاء والتوفير والإرخاء والإيفاء يتنافى مع الحلق والتقصير
الأحد ديسمبر 06, 2009 12:36 am من طرف ياسر

» قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...
الجمعة ديسمبر 04, 2009 8:42 am من طرف أبونصر

» صور إخواننا في الصين في عيد الأضحى
الخميس ديسمبر 03, 2009 7:58 am من طرف يحي بن عيسى

» الإمام غالب الهنائي في ذمة الله
الثلاثاء ديسمبر 01, 2009 2:54 am من طرف يحي بن عيسى

» حول الدعوة إلى الله عز وجل
الإثنين نوفمبر 30, 2009 8:50 am من طرف أبو محسن

» مصطفى محمود: المرأة كتاب.. اقرأه بعقلك ولا تنظر لغلافه
الأحد نوفمبر 29, 2009 3:06 pm من طرف يحيى الاطرش

» عيدكم مبارك وكل عام وانتم بخير
الأحد نوفمبر 29, 2009 1:00 am من طرف خالد آل عبدالله

» مــــــــبـــــــــــاراة بريـــــــــــــــــــــئــــــــــــة
الجمعة نوفمبر 27, 2009 11:28 am من طرف أبو محسن

» هل نحن بحاجة إلى مراجعة فكرية لمنظومتنا التراثية؟
الأربعاء نوفمبر 25, 2009 12:44 pm من طرف يحيى الاطرش


جواب السيد المفكر: سعد محمود رستم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جواب السيد المفكر: سعد محمود رستم

مُساهمة  يحيى الاطرش في الأربعاء سبتمبر 02, 2009 6:39 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من لا نبي بعده محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار وبعد،
فيما يلي الإجابة باختصار عن أسئلتكم على نفس أرقام وترتيب ورودها: (وأقول باختصار لأن الإجابة الكاملة المدللة تحتاج إلى كتاب بل كتب):

1- السؤال 1: ((هل يمكن للمسلم الاكتفاء بالقرآن فقط -على فرض أنه يوجد القرآن معنا وحده-؟))
1- الجواب: لا يمكن للمسلم أبداً أن يكتفي بالقرآن الكريم وحده، بل حتى لو زعم أنه يفعل ذلك فإنه يكون خائناً لهذا القرآن الذي يزعم التمسك به ومخالفاً له، لأن القرآن الكريم نفسه هو الذي أمرنا بطاعة الرسول () طاعة مطلقة وتامة دون تمييز - فيما ما أمر به النبي و علَّمه وأرشد إليه الناس - بين ما كان بألفاظ القرآن الكريم، وبين ما كان بألفاظ النبيِّ الكريم نفسه وسنَّـته وسيرته العملية، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾النساء/80، وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ النساء/ 59
علاوة على أن القرآن في أكثر من موضع اعتبر أمر النبي  (ولو من دون وجود نص قرآني) هو أمر الله، ورتب على أوامر النبي  الآثار ذاتها المترتبة على الأوامر القرآنية، وفيما يلي ثلاثة أمثلة نكتفي بها:
أ = لا توجد آية في القرآن تأمر بالاتجاه إلى بيت المقدس في الصلاة في بداية الدعوة، بل كان ذلك واجبا بأمر النبي (مبلغاً عن الله )، ثم لما نزل الوحي بتغيير القبلة نسب اللهُ الأمرَ السابقَ باستقبال القبلة الأولى (بيت المقدس) إلى نفسه فقال : ﴿... وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ...﴾ [البقرة/143] فإذن ما أمر به رسول الله  مبلغا عن الله هو ما أمر به الله ، أي أمر رسول الله  هو أمر الله وليس أمره من عند ذات نفسه!
ب= قال سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ الحشر/ 5. في هذه الآية الكريمة إشارة إلى ما فعله المسلمون في غزوة بني النضير ـ بأمر رسول الله ـ من قطع أشجار نخيل يهود بني النضير بعد محاصرتهم لإجبارهم على الاستسلام. و قد بين الله تعالى أن هذا التقطيع للنخيل تم بإذن الله، هذا مع أنه لا توجد آية في القرآن الكريم فيها بيان الأمر بقطع تلك الأشجار، بل حصل ذلك بأمر رسول الله ، مما يبين أن الله تعالى أوحى لنبيه ذلك ـ وحيا غير القرآن ـ ، فثبت أن حديث رسول الله و أوامره و تعاليمه معتبرة بنص القرآن وحيَ الله تعالى و أوامرَهُ و تعاليمَهُ.
ج = لا توجد في القرآن أية أية تنهى عن الرفث (الجماع ومقدماته) ليلة الصيام بل ما يوجد هو إباحة الرفث بعد أن كان محرما بإرشاد النبي  وهو قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ... الآية﴾ البقرة/187. ومن الواضح أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن إباحة الرَّفَثِ، أي ممارسة الجماع أو مقدماته، ليلة الصيام، بعد أن كان محرما في بداية الأمر، و يدل على أنه كان محرما قوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ  إشارة إلى أن بعض الصحابة رضي الله عنهم لم يستطيعوا الالتزام بذلك التحريم فاختانوا أنفسهم، فعفا الله تعالى برحمته عنهم و تاب عليهم، و خفف عليهم بإباحة الرفث ليلة الصيام من الآن فصاعدا بقوله: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ، فإذا عرفنا أن أنه لا توجد أي آية في كل القرآن الكريم فيها ذكر تحريم الرفث ليلة الصيام، بل كان التحريم مما أمر به النبي  أدركنا أن القرآن يعتبر أمر النبي هو أمر الله بلا تمييز و لا غرو فالنبي ناطق عن الله مبلغ عنه سواء كان ذلك بألفاظ قرآنية أم بألفاظ نبوية.
هناك عدة أمثلة أخرى في هذا الصدد أكتفي بما ذكرت تجنبا للإطالة.
هذه نقطة والنقطة الأخرى هي أن القرآن الكريم بين لنا أن الرسول  ليس مجرد ساعي بريد وناقل رسالة، بل هو بذاته و أوامره وأخلاقه وسلوكه وسيرته جعله الله قدوةً للمتقين وأسوةً للمؤمنين ولكل من كان يرجو الله واليوم الآخر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾الأحزاب/21. وقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم/4. وقال: ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الحشر/7. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ الأحزاب/ 45 ـ 46. وقال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ آل عمران/31-32.
و صدق العلامة إقبال اللاهوري حين قال (بالفارسية)
بمصطفى برسان خويشرا كه دين همه اوست اكر باو نرسيدي تمام بو لهبي است
و معناه:
اتصل بالمصطفى (و تعلق بأذياله الكريمة) لأنه هو الدين كله، و إن لم تصل وتلحق به فلست أنت في شيء سوى أبو اللهبية (أي على دين أبي لهب، دين الباطل).
وأخيراً فإننا نسأل في هذا المقام: هل جادل أحد منذ عهد النبي  وأصحابه والتابعين ومن بعدهم إلى مئات السنين بعد ظهور الإسلام في حجية أوامر النبي وسننه وتعاليمه وإرشاداته  أم أن ذلك كان أمرا مسلما به مجمعا عليه لدى الأمة المحمدية بأسرها على صاحبها آلاف التحيات والصلوات؟ إن الإجابة يعرفها كل من له أدنى إلمام بعلوم الإسلام، فإنه مما تواتر نقله رجوع الصحابة رضي الله عنهم و أهل بيت النبي و عترته عليهم السلام و مَنْ بَعْدَهُمْ من أئمة التابعين و فقهاء و علماء المسلمين بجميع فرقهم ومذاهبهم ومدارسهم، إلى أقوال وأفعال وتقريرات رسول الله  باعتبارها حجة مبينة لحكم الله تعالى لا تجوز مخالفتها كالقرآن الكريم. و المسألة أوضح من أن نأتي عليها بالشواهد والأدلة. و هنا نسأل: هل من الممكن أن يكون هؤلاء الذين أخذوا الإسلام حيا من رسول الله  وعاصروه ثلاثة و عشرين عاما، وتتلمذوا عليه وتربوا على تعاليمه، ثم علموها للتابعين ومن تبعهم، لم يفهموا حقيقة الدين ولا ما هو حجة وما هو ليس بحجة فيه، حتى أتى أولئك المنكرون للسنة النبوية بعد ألف عام ليكتشفوا لنا أن القرآن الكريم فقط هو حجة الله والمرجع في تعاليم دينه؟؟!! لعمري لا يقول بذلك من عنده مسكة عقل وإنصاف.
وآخر ما أذكره في هذا المقام هو أن الاكتفاء بالقرآن الكريم معناه ما يلي:
عدم معرفة عدد ركعات كل واحدة من الصلوات الخمس والسنن، ولا كيفية الصلاة (كم مرة نركع وكم مرة نسجد في كل ركعة .. الخ) مع أن الصلاة عمود الدين وأهم الأوامر التي تكررت في القرآن الكريم عشرات المرات.
عدم معرفة كيفية النداء للصلاة، هل هي بالناقوس أم بالجرس أم بألفاظ معنية وما هي؟؟
عدم معرفة ما هي المقادير التي تحقق إبراء الذمة في أداء الزكاة، هذا مع أنه من الواضح أنه لا بد أن يكون لدينا مقدار محدد للزكاة الواجبة وإلا لربما أعطى الغني 1% من ماله وقال قد أديت زكاتي؟!
عدم معرفة تفاصيل مفطرات الصوم ومبيحات الإفطار، و أنواع الصيام المستحب.. الخ
عدم معرفة تفاصيل أعمال الحج وترتيبها وشروط وجوبه مع أنه الركن الخامس في الإسلام.

والاكتفاء بالقرآن الكريم يحرم الأمة الإسلامية من أهم الروابط التي تجمع بين أفرادها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم و أماكن تواجدهم في المعمورة ، حيث يربطهم الاقتداء العملي بسنن النبي في كل حياتهم منذ ولادتهم حتى مماتهم، فالمسلم الأندونيسي والماليزي والفلبيني يمارس في حياته و عباداته وصلواته ومساجده وأذانه وصيامه وزكاته وحجه وحجاب نسائه ولباسه وستر عورته واحتفالاته بمواليده وطقوس جنائزه وكل حلاله وحرامه - في الخطوط العريضة وبغض النظر عن الجزئيات الصغيرة جدا التي تختلف فيها المذاهب - عين ما يمارسه المسلم السوري والمصري والجزائري والسنغالي والأوروبي والأمريكي والقفقازي الخ. وهذا من أكبر الروابط التي توحد الأمة الإسلامية، أما لو رفضنا أوامر النبي وسننه واكتفينا بالقرآن لأصبح لكل أمة طريقة خاصة بها في الصلاة والأذان والإقامة والزكاة والصوم والحج والجنائز و.. والخ.

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش في الأربعاء سبتمبر 02, 2009 6:42 pm

السؤال 2: ((إذا كان لا يمكن الاستغناء عن السنة، فلماذا لم يحرص الرسول الأمين على كتابتها كما فعل مع القرآن؟))
الجواب 2: السنة في الأصل هي الطريقة قال صاحب مختار الصحاح ((السَّنَنُ الطَّريقة يُقال استقامَ فُلان على سَنَن واحد. ويقال ... تَنَحَّ عن سَنَن الطَّريق وسُنَنه وسِنَنه ثلاث لغات. والسُّنَّة السِّيرة.)) وقال صاحب المصباح المنير، في مادة س ن ن: ((... وَيُقَالُ تَنَحَّ عَنْ سَنَنِ الطَّرِيقِ وَعَنْ سَنَنِ الْخَيْلِ أَيْ عَنْ طَرِيقِهَا وَفُلانٌ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ أَيْ طَرِيقٌ .)).
فالمقصود من سنة رسول الله  طريقته في الدين أي طريقته في الصلاة (سواء الصلوات الخمس الراتبة أم النوافل أم صلوات الآيات أو الجنائز أو الجمعة والجماعات)، وطريقته في تحديد مقادير الزكاة وطريقته في الأمر بجبايتها وطريقته في صومه وحجه ونسكه وأضاحيه وجهاده، وطريقته في تعامله مع الخلق سواء زوجاته أم أرحامه أم المقربين من أصحابه وأهل بيته، أم المؤمنين الصالحين أم المنافقين أم الخائنين والمقصـرين أم الأسرى أم الأعداء المحاربين... وطريقته في تطبيق تعاليم الله بشكل عام، هذه هي السُنَّة التي أمرنا الله تعالى في كتابه باتباعها والأخذ بها - كما بينتُ في الإجابة عن السؤال الأول - ، كما قال عز شأنه: ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا..﴾ الحشر/7. وقال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ...﴾ وقال عز من قائل: ﴿ .. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ النساء/ 59.
إذا عرفنا ذلك، وعرفنا أن رسول الله (ص) عاش بين أصحابه 23 عاماً، وعاش في المدينة - مرحلة تشريع الأحكام المدنية - 10 أعوام، وكانت جميع تلك السنن أو معظمها يتكرر منه كل يوم ، بل قد يتكرر في اليوم مرات، أدركنا أن رسول الله (ص) بتعليمه لأصحابه في المسجد وبإرساله من يعلم المسلمين الجدد أمر دينهم في مناطق الجزيرة العربية التي آمن بعض قبائلها، كان يحرص على تدوين سنته تدويناً عملياً في حياة وقلوب وأذهان أصحابه، وكان يعلم أن هذا الأمر أصبح جزءاً من حياة المجتمع المسلم الناشئ وأن بين أصحابه أهل علم وفقه سيعلَِّمون سنن النبي (ص) لغيرهم، وبالتالي فقد حفظ رسول الله (ص) سنته حفظاً عملياً حياتياً.
أما لماذا لم يحرص على كتابتها كما حرص على القرآن الكريم؟ فلأن كثرة شهرة السنَّة وتطبيقها أمام أعين الناس من أصحابه على مدار عشرة أعوام كاملة جعله في غنى عن الأمر بكتابتها بتفاصيلها، وهذا لا يمنع أنه كان يكتب أشياء منها فقد كتب كتبا في مقادير الزكاة، وأشرف أو شجع بعض من كان يكتب كلامه في أواخر رسالته، كصحيفة عمرو و صحيفة علي المعروفة بالصادقة، وغير ذلك، أما لماذا نهى عنها في بداية الدعوة فلكي لا يختلط كلامه بالقرآن. والعجب أن منكري السنة يتمسكون بقوله ((لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه))، مع أن هذا الأمر ليس آية من آيات من القرآن بل هو حديث من أحاديث النبي العدنان (ص)، فهو أيضاً سنة فكيف ينكرون السنة بتمسكهم بالحديث والسنَّة!! وهل هذا إلا دور باطل؟
وفي الواقع إن الحديث المتواتر الذي يقول: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) هو نص واضح في مصادقة النبي (ص) على الرواية عنه والتحديث عنه لأنه إنما حرَّم -في هذا الحديث- ومنع من الكذب عليه، فدل ذلك - بمفهوم المخالفة - إلى أن من صدق عنه فلن يتبوأ مقعده من النار، وهذا يفيد وجوب أن يصدق من يروون عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ينقلونه ويحدثون به الناس، ولو أراد رسول الله الكريم (ص) منع التحديث عنه مطلقا لما قال من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده...، بل لقال: من كتب عني شيئا أو حدث عني شيئاً فليتبوأ مقعده من النار!!.

السؤال الثالث: ((وهل يوجد وحي غير القرآن الكريم؟ وإذا كان كذلك فلِم لم يحفظ كما حُفظ القرآن؟ وهل لهذا الوحي -غير القرآن- أن يُنشئ حُكما جديدا أو اعتقادا زائدا على ما في القرآن؟ وما مدى إلزاميته؟))
جواب السؤال 3- : أعتقد أن ما جاء في الإجابة عن السؤالين الأولين يتضمن الإجابة عن هذا السؤال وهي: نعم بالتأكيد - وبنص القرآن ذاته - بل وبحكم العقل والبداهة، كان هناك وحي للنبي غير القرآن الكريم، وأكتفي فيما يلي بنصين قرآنيين واضحين في هذا الصدد: يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ التحريم/ 3.
الآية تتحدث عن سرٍّ أسرَّ به النبيُّ (ص) لإحدى زوجاته و أمرها بكتمانه، لكنها فشته، فأخبر الله تعالى نبيه بذلك، فأنبأها فتعجبت قائلة من أخبرك أني أفشيت السر و قلت كذا و كذا؟ قال: نبأني العليم الخبير.
فهذا يبين أن الله تعالى أظهر لنبيه إفشاء زوجته للسر، و هذا الإخبار وحيٌ من الله لنبيِّهِ خارج القرآن الكريم، لأنه ليس هناك آية فيها أن يا رسول الله لقد قالت زوجتك كيت و كيت! و يؤكده قوله: نبأني العليم الخبير، أي أن الله تعالى هو الذي أنبأني بهذا الأمر، مع أن مضمون هذا الإنباء غير مسطور بالقرآن الكريم، فثبت منه أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أوحي إليه غير القرآن.
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ المائدة/101. أي إن تسألوا عنها والملك حاضر تُبْدَ لكم، ومعلوم أن هذه الأمور التي أبديت لهم ليست من آيات القرآن بل هي وحي وتعليم من جبريل للنبي (ص) حول إجابة تلك الأسئلة الخاصة التي أراد بعض الصحابة أن يعرفها .
فالوحي وحيان وحي لفظي قرآني، و وحي معنوي من الله تعالى وجبريل الأمين، ويعبر عنه رسول الله (ص) بلفظه، هذا عدا عن أن أمر الله تعالى لنا باتباع النبي و التأسي بسيرته و الأخذ بما آتانا إياه والانتهاء عما نهانا عنه بشكل مطلق (دون تقييد لما هو آتانا به بلفظ القرآن أم ما ليس بلفظه) يفيد أن تلك الأوامر والسيرة مُصادَق عليها من الله تعالى كما قال سبحانه: من يطع الرسول فقد أطاع الله، وكما قال: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله.
أما السؤال لماذا لم يحفظ ذلك الوحي (غير القرآني أو ما نسميه الوحي المعنوي) كما حفظ القرآن؟
فالجواب بل حفظه تعالى في صدور المؤمنين وتناقلوه جيلاً بعد جيل، لذلك تجد نفسك تعرف اليوم كل ما يهمك في أمر دينك عن حياة رسول الله (ص): كيف أقام الصلاة وآتى الزكاة وصلى على الأموات والشهداء وكفنهم وغسلهم، وكيف أكل وشرب وعن أي مطاعم أو مشارب امتنع وكيف أدى نسكه وأضاحيه وعمرته وحجه و كيف تزوج وأولم وكيف عق لأولاده وصبر على وفاة من توفي منهم، وكيف تعامل مع المنافقين وكيف جاهد وحارب وكيف أسر وتعامل مع الأسرى، كل هذه الأمور خطوطها العريضة محفوظة مكتوبة مستفيضة، أما التفاصيل والجزئيات فلا تهم، والأمر فيها يسير والاختلاف بشأنها معذور صاحبه.
أما سؤالكم ((وهل لهذا الوحي -غير القرآن- أن يُنشئ حُكماً جديداً أو اعتقاداً زائداً على ما في القرآن؟ وما مدى إلزاميته؟)) فالجواب إن الرسول (ص) مبين للكتاب وشارح له و مفصل لما أجمله ومطبِّقٌ تطبيقاً عمليّاً لتعاليمه، فسنَّته وسيرته ليست سوى حاشية وشرح على متن القرآن، القرآن هو المتن وهو الأصل وهو الأساس وهو الذي يعلو ولا يعلى عليه وهو الذي ينسخ و لا ينسخه شيء، وهو الوحيد قطعي الصدور، (ومعه كذلك المتواترات القطعية من السنن والسير النبوية)، فليس في سنة النبي نسخ للكتاب أو تغيير لأحكامه أبدا على الإطلاق وإنما كل سنته شرح وحاشية وهامش للقرآن. وسنة النبي الصحيحة الصادقة المستفيضة المتوافقة مع القرآن التي تحقق شروط الصحة في المتن بشكل خاص ملزمة لأنها وحي معنوي ولأن القرآن نص على ذلك وأمر به كما مر تفصيله.
السؤال: ((4- وأين تصنف السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم: (شارحة، أو مبينة،..)؟ وهل من دليل من القرآن يشير إليها؟))
تمت الإجابة عنه ضمن الإجابة عن السؤال الثالث.

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش في الأربعاء سبتمبر 02, 2009 6:46 pm

السؤال: ((5- قيل أنه رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن التدوين وكتابة غير القرآن، وكذلك تحقَّق هذا تاريخياً وذلك بتأخر ظهور المدونات الحديثية، فهل هذا صحيح؟ ثم لماذا كان النهي عن التدوين (إن كان واقعاً)؟ ولماذا وقع الشطط و-في المقابل- التبرير: في فهم وتوجيه هذه الحادثة؟))
الجواب: أقول لمن يستند إلى حديث: ((لا تكتبوا عني غير القرآن)) في منع تدوين الحديث: أولاً: أين وجدت هذا الحديث؟ هل هو آية في القرآن؟ أليس هو حديثا كُتب ودُوِّن ضمن المدونات الحديثية مثل صحيح مسلم وغيرها؟!! إذا كان الحديث مرفوضاً أساساً فعليك أن ترفض هذا الحديث، وإذا كان التدوين منهيا عنه مطلقاً فما بالك تأخذ بكتاب مسلم الذي دوَّن لنا هذا الحديث؟ هل هذا إلا تناقض؟؟ إذن عليك أن تثبت لنا النهي عن تدوين حديث النبي من القرآن و دون لك خرط القتاد، أما إذا تمسكت بهذا الحديث فالقاعدة المنطقية تقول: إذا وثقت بنص في كتاب فعلي أن أثق بسائر نصوص الكتبا التي لها نفس در الوثوق، وإلا سأكون انتقائياً متحكِّماً آخذ فقط ما أرغب به وهذا با طل وتحكُّم بلا دليل.
هذه نقطة والنقطة الثانية: لهذا الحديث تتمة لا بد من التنبه إليها لأنها تحدد المقصود منه: الحديث بتمامه كالتالي (صحيح مسلم، ج8/ ص 229، ح رقم (7702) : ((عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- قَالَ « لاَ تَكْتُبُوا عَنِّى وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّى وَلاَ حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ - قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ قَالَ - مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ».)).
إذن لاحظوا أن النهي ورد عن كتابة غير القرآن فالأمر يتعلق بعدم خلط ما يقوله رسول الله بالقرآن نفسه، وتتمة الحديث تبيح التحديث عن النبي بشرط الصدق في التحديث عنه.
السؤال المطروح: هل كان ذلك النهي عن الكتابة نهائياً وأبدياً؟؟ بالطبع لا لأننا وجدنا أحاديث أخرى عن النبي نفسه  وبنفس القوة مضمونها يدل على الأذن بالكتابة بل ممارستها عمليا، وفي هذا يقول القاضي عياض شارحاً لهذا الحديث: ((قال القاضي كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، وتُحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يُوثَق بحفظه كحديث اكتبوا لأبي شاه وحديث صحيفة علي رضي الله عنه وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجَّهَهُ إلى البحرين وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب وغير ذلك من الأحاديث وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة وقيل إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ)) انتهى كلامه من شرح النووي على صحيح مسلم.
إذن المؤكد أن النهي عن الكتابة - إن صحَّ - لم يكن على التأبيد، وإنما كان في مرحلة معينة، مهما اختلفت الأنظار في علة النهي الأولي - إن صحَّ - وسببها والحكمة منها.
أما القول بتأخر التدوين، فليس هذا مقتصراً على الحديث بل يشمل سائر العلوم كالنحو و اللغة و التفسير والرجال والسيرة النبوية والتاريخ وغيرها. وبالمناسبة ثمة خطأ يقع فيه كثيرون يتصورون أن ما لدينا من كتب الحديث كالصحاح والسنن والمسانيد هي أقدم ما كتب وأول ما دون، مع أن الواقع أن التدوين كان قبل ذلك بكثير، وتلك الكتب انتخبت من الكم الكبير الذي كان مكتوبا من قبل وهذا يحتاج إلى تفصيل كبير، ويمكن لكتاب الدكتور عجاج الخطيب ((السنة قبل التدوين)) و كتاب ((علوم الحديث)) للدكتور صبحي الصالح أن يقدما تفصيلات أوضح لمن أراد التوسع في هذا الموضوع.

السؤال السادس: ((6- ما الفرق بين: السنة، والحديث، وقول أئمة آل البيت، وقول الصحابي؟ وما مردّ هذه التفرقة؟ ما مدى حجية كل منهم؟ وما مدى إلزامية (في الامتثال والتطبيق) كل منهم؟ وأين تكمن الهداية في كلّ منهم؟))
قلت في الإجابة عن السؤال الثاني إن السنة هي الطريقة والنهج، والمقصود طريقة ونهج النبي  في التطبيق العملي لتعاليم القرآن المجملة ، وأنها مصدر أساسي لتعاليم دين الإسلام لأنها من مصادر الوحي الإلـهي التشريعي غير اللفظي، وبها يُعرف تفصيل كثير من مجملات القرآن.
أما الحديث فهو اصطلاح حادث، وصار يطلق على ما روي عن النبي .
أما أقوال أئمة أهل البيت وقول الصحابي فهي ليست وحياً إلهياً ولا تشريعا سماوياً على الإطلاق، وإنما هي مجرد فهم للدين ، وفرق كبير بين الدين ذاته، وبين فهم الدين، فنحن نستأنس بذلك الفهم و نستنير به مجرد استنارة دون أن يكون له أي حجية ملزمة إلا بمقدار انطباقه على القرآن فإذا تبين لنا فهم آخر أصح وأقمنا الدليل عليه فهو المتَّبع. الصحابة والتابعون وأهل البيت بشر كسائر البشر من أتباع النبي الخاتم اجتهدوا وفهموا الدين حسب ثقافة عصرهم ومقدار استيعاب عقولهم، ففهمهم حجة عليهم وليس حجة على من بعدهم (ونحن منهم) الذين اتسعت معارف عصرهم واكتشفوا ما لم يعرفه الأولون في كثير من الميادين، فعلينا أن نستمد فهمنا للدين أولا وأساساً من القرآن الكريم فحسب، ثم ما وافقه وشرحه من السنة القطعية المتواترة أو المحفوفة بالقرائن التي تدل على صحتها، فأخبار الآحاد ظنية والظن ليس بحجة، وإنما الحجة في اليقين، لذا لا يؤخذ بأخبار الآحاد إلا إذا حفت بها قرائن تدعم صدورها (موافقة القرآن، موافقة اجماع المسلمين قاطبة، تواترها... الخ). ولا يوجد كتاب مقدس سوى القرآن وكل ما عداه بما في ذلك الصحيحين ليس سوى كتب تراثية ونوع من الفهم و نوع من القراءة الخاصة لأصحابها للإسلام وكثير مما فيها لا علاقة بالدين ولا بالتشريع، وفيها الكثير من التناقضات و الكثير من الغث والقليل من السمين. إنه تراث يغربل على ضوء القرآن والعقل الصحيح والصريح.
السؤال: ((8- ما هو منهج نقد الرواية الحديثية التي تفيد الأمور الغيبية والعلمية والتاريخية؟ وكذا التي تفيد العمل ؟))
الإجابة: لقد وضع علماء الإسلام قواعد ممتازة لنقد المتون كفيلة بتصفية التراث الروائي من كل دخيل، لكنهم للأسف لم يلتزموا بتطبيقها عمليا عندما كان الأمر يتعلق بأحاديث رويت في كتب معينة كصحيحي البخاري ومسلم أو حتى بقية كتب السنة الستة (عند أهل السنة)، بسبب ما أصبح لهذه الكتب من قدسيَّة لدى جمهور المتعلمين الذي هم أنصاف متعلمين في الواقع.
إذن على المستوى النظري على الأقل وضع علماء الحديث شروطا رائعة دقيقة لا يعتبر المتن صحيحاً إلا إذا وفَّى بها، مهما كان سنده صحيحا، و إليكم زبدتها:
1 ـ قال الإمام أبو إسحق الشيرازي الشافعي (476هـ) في كتابه " اللمع ": (( إذا روى الخبر ثقةٌ رُدَّ بأمور:
أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه، لأن الشرع إنما يَرِدُ بمجوِّزات العقول، و أما بخلاف العقول فلا.
الثاني: أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة، فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ.
الثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل به على أنه منسوخ، أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ، و تجمع الأمة على خلافه.
الرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه، فيدل ذلك على أنه لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون له أصل و ينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.
الخامس: أن ينفرد الواحد بما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر، فلا يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية. )) اهـ المراد منه ( 1).
2 ـ و قال الخطيب البغدادي (463 هـ) في كتابه: " الكفاية في علم الرواية " (ص 432): (( و لا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، و حكم القرآن الثابت المحكم، و السنة المعلومة، و الفعل الجاري مجرى السنة، و كل دليل مقطوع به )) اهـ.
3 ـ و قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (597 هـ) في كتابه الموضوعات (1 / 106): (( ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع )) ( 2).
4 ـ و نقل العلامة القاضي أحمد محمد شاكر (في شرحه على كتاب " الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير: ج1 / ص 251) عن الحافظ ابن حجر العسقلاني قوله: (( و مما يدخل في قرينة حال المروي، ما نقل عن الخطيب عن أبي بكر بن الطيب: أن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقل، بحيث لا يقبل التأويل، و يلحق به ما يدفعه الحس و المشاهدة،.. )) ( 3).

أضف إلى ذلك قاعدة هامة وهي أن أخبار الآحاد وإن كانت صحيحة السند تماماً فهي لا تفيد أكثر من الظن، ولذلك فهي ليست حجة أبداً في أمور الإيمان والاعتقاد التي عليها مدار النجاة والهلاك، وقد نهى الله تعالى صريحا في كتابه عن اتباع الظن، وبين لنا أن الظن لا يغني من الحق شيئاً فكيف يكلفنا بالإيمان بأمر لم يقم عليه سوى دليل ظني مشكوك؟؟ لذلك لا حجية لأخبار الآحاد في العقائد والإيمانيات لأنها تتطلب القطع واليقين ومثل هذا لا توفره أخبار الآحاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) شرح اللمع: أبو إسحق إبراهيم الشيرازي، ج 2 / ص 653. ( حققه عبد المجيد تركي، بيروت: دار الغرب الإسلامي، طبعة أولى، 1408 هـ/ 1988 ).
( 2) انظر: "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" للإمام السيوطي: ج1 / ص 327. ( حققه قتيبة نظر محمد الفاريابي، ط2، الرياض: مكتبة الكوثر، 1415 هـ)
(3 ) قارن بكتاب ابن حجر: النكت على كتاب ابن الصلاح: ج 2 / ص 845.

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش في الأربعاء سبتمبر 02, 2009 6:48 pm

هنا يأتي سؤالكم التالي: ((7- أين يأتي العقل في ديننا، وما حدود تصرفه؟ وهل له أن يَرُدَّ: ما يخالف قواعد المنطق، وقواطع الوحي القرآني، والحقائق العلمية والتاريخية؟ وهل يمكن لحقائق الدين أن تكون مناقضة ومخالفة للعقل السليم؟))
للعقل الصريح الصحيح السليم مكانة أساسية جدا بل متقدمة على كل شيء في الدين لسبب بسيط أن الدين لم تثبت صحته بدايةً إلا بالعقل، فأول خطوة لمعرفة الدين هي خطوة عقلية محضة قبل أن تكون نقلية، لأنه ما الدليل على صحة نبوة رسول الله؟ يقولون المعجزات، حسناً وما الدليل على أن المعجزات تثبت صحة من أتى بها؟ وما الدليل على أن الله لا يؤيد بالخوارق الكاذب؟ وما الدليل على وجود الله أساساً؟؟ أليس نبدأ بالعقل في كل هذه الأمور؟ هناك من يسمي ذلك ((الفطرة)) (كابن تيمية)، حسنا لا مشاحة في الاصطلاح فليسمه بما شاء لكنه مرجع غير نقلي. والقرآن جاء مؤيدا الاعتداد بالعقل والاحتكام إليه بكل صراحة و وضوح والآيات في ذلك أكثر من أن تحتاج لذكر. (أفلا يعقلون؟ لقوم يتفكرون؟ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (هذه الدعوة للتعقُّل والتفكُّر تكررت في عشرات الآيات القرآنية، وقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا... ﴾ وقال: ﴿لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾، وهذا التعبير أيضا تكرر مرات عديدة.
فكل ما خالف صريح العقل وكل ما خالف نص القرآن وكل ما خالف الحقائق العلمية والتاريخية مرفوض قطعا وليس من الدين جملة وتفصيلا.
السؤال 9 ((وما مدى إلزامية الروايات الحديثية الآحادية في حياتنا اليومية؟ وإلى أي مستند يتم الفصل في هذه القضية؟))
قلت أن السنة هي السيرة والطريقة العملية فقط، ويقبل ما روي عنها مما يتمتع بالصحة وموافقة القرآن والاستفاضة والقرائن التي تؤيد صحتها.
أما الأحاديث الآحادية المحضة فهي تقبل إذا كان فيها ما يجبر ظنيتها ويقوي صدورها ، أي إذا حفت بها قرائن خارجية قوت صدورها وذلك كانضوائها تحت أصل قرآني ، أو تحت أصل من سنة متواترة قطعية أو إجماع أمة الإسلام سلفا وخلفاً، ونحو ذلك. فإذا توفر لها ذلك وغلب الظن على صدورها وكانت صحيحة السند تماماً أصبح العمل بها واجباً في حياتنا العملية.

السؤال العاشر: ((إذا جُرِّح رَاوٍ فهل يعني هذا أن نرفض رواياته مطلقا حتى ما صحّ منها؟ وهل التجريح مسألة اجتهادية؟)).
الجواب: أعود إلى القول إن العمدة في نقد ما يصلنا من أحاديث وأخبار هو المتن والمتن قبل كل شيء، فكم من رواية صحيحة السند فاسدة المتن، وكم من رواية ضعيفة السند ، صحيحة المتن، فالأصل هو المتن، والسند لا يُرجع إليه إلا للاستئناس والترجيح بين المتون التي قد تتعارض فيُقَدَّم من كان سنده أثبت وأحفظ وأضبط. لاسيما أن الحكم على الرجال أمر ظني اجتهادي محض وقد لعبت فيه العصبيات المذهبية والطائفية كثيرا ، فكم من رجال جُرِّحوا لا لشيء إلا لأنهم أصحاب عقيدة معينة، أو موقف من بعض الصحابة، ونحو ذلك. والطريف أن كل طائفة تجرح مخالفيها وتوثق أتبع مذهبها، إذن علم الرجال ظني محض لا يُرجع إليه إلا للاستئناس والترجيح، والأساس هو العرض على القرآن وموافقة القرآن والانضواء تحت أصل قرآني ظاهر، أو أصل عقلي واضح سليم صحيح ظاهر.
وبهذا نعرف الجواب عن صدر السؤال وهو أنه إذا جُرِّح راو فهل تُرد جميع رواياته؟ بالطبع لا، لأن الأساس هو موافقة القرآن والانسجام التام معه، فلا يهمنا عندئذ أن يكون الراوي غير صادق في بعض أقاويله الأخرى، لأننا نأخذ بالحقيقة بشيء قرآني. والواقع إن قواعد تصحيح الأحاديث فيها كثير من الثغرات التي تحتاج إلى مراجعة وإعادة تقويم.

[[ السؤال 11- ((لماذا روى المسلمون الحديث عن أبي هريرة في مساندهم، مع ما اشتُهِر عنه؟ وما هو منهجهم في ذلك؟))

الجواب: هذا أكبر مثال على صحة ما قلته قبل قليل عن أن السند ليس هو المرجع الأساسي في نقد الحديث والأخبار، بل المتن، فقد روى علماؤنا من أهل السنة كثيراً من الأحاديث عن الصحابي أبي هريرة (أكثر مما رووا عن الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي مجتمعين، رضي الله عنهم وأرضاهم وهم من هم)، فهنا لابد أن نذكر كل الاحتمالات الواردة: فيمكن أن يكون بعض الرواة من التابعين قد رووا كثيرا من الغرائب و نسبوها لأبي هريرة لشهرته بين الرواة، ويمكن أن يكون قد صدر عن أبي هريرة روايات كان قد سمعها قديماً من بعض مسلمة أهل الكتاب (ككعب الأحبار و وهب بن منبه) ثم توهم أنه سمعها من رسول الله خطاَ و توهُّماً ، و نحو ذلك، هذا مع ما تعرض له أبي هريرة من تكذيب بعض الصحابة له، أو تخطئتهم له (كأمير المؤمنين عمر بن الخطاب و أم المؤمنين عائشة)، خاصة أن أبا هريرة سمع قليلاً عن النبي مباشرة لقلة فترة صحبته، وأكثر ما رواه كان قد سمعه عن صحابة أو تابعين دون معرفتنا بالواسطة.

وإنما لم يجرِّحُهُ علماؤنا من أهل السنة عملاً بقاعدتهم التي ظهرت في بداية العهد الأموي، وهي قاعدة - مع احترامنا لسادتنا العلماء - نرى أنها لا تنطبق لا مع القرآن ولا مع العقل ولا مع المنطق ولا مع التاريخ المتواتر. ولو أن علماء و محدثي أهل السنة عاملوا الرواة من متأخري الصحابة ممن جاؤوا بعد السابقين الأولين بما عاملوا به سائر الرواة من التأكد من أنهم كانوا فعلاً و حقيقةً من الذين اتبعوا السابقين الأولين بإحسان، فكانوا على منهجهم من العدالة وحسن السيرة و لم يتغيروا أو يحدثوا أمورا ... الخ، هذا إضافة إلى التأكد من ثقتهم في الرواية وحسن حفظهم ودقة ضبطهم وإمكانية سماعهم المباشر من النبي الذي يسندون إليه الكلام، وثبوت لقائهم له، لما رووا في الكتب كثيرا من الأحاديث الفردية الغريبة خاصة كتلك التي رويت منسوبة إلى أبي هريرة أو أنس أو ابن عباس الذي لم يلتق بالنبي إلا فترة قصيرة وتوفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لابن عباس من العمر عشر سنين فقط!.

السؤال 12 ((هل سَلِمَت مساند: الكافي والبخاري وزيد والربيع.. من النقد وردِّ روايات تخالف: قواعد العقل، وقواطع الوحي المحفوظ، والحقائق العلمية والتاريخية؟ وهل من منهج واضح في ذلك))؟
لم يسلم أي كتاب حديثي من وجود روايات فيه تخالف العقل وقواطع الوحي والحقائق العلمية والتاريخية، وهذه الكتب بمثابة تراث ثمين يضم أنواع مختلفة الدرجات من الصحة و ما دونها حتى بعض ما هو غير مرجوح أو غير صحيح وعلى كل حال واجب علينا أن نجعل القرآن الكريم مرجعنا الأساسي الأول، والمعيار الذي نزن به كل شيء يُنسب للنبي وللإسلام، وكل ما عدا القرآن فإننا نطالعه بعين الدقة والنقد فما وافق القرآن وصح صدوره بالقرائن أخذنا به، وكل ما كان غير ذلك ضربنا به عرض الحائط، في أي كتاب كان ومن أي صحابي أو تابعي صَدَرَ.

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش في السبت سبتمبر 05, 2009 11:27 pm

السؤال 13-ماذا حدث للإباضية الأوائل: إذ إنهم كانوا قليلي رواية الحديث ونقد الرجال، مقارنة بالفِرَق الكبرى؟ هل هذا يعني أن مسألة إكثار المرويات مرتبطة بالتنافس السياسي والصراع الذي كان واقعا بين السنة والشيعة؟
الجواب: نعم إن الإكثار من الروايات كان مرتبطاً فعلاً بالتنافس السياسي و الصراع الذي كان واقعاً بين السنة و الشيعة.
السؤال 14: وهل ترون أن الخلاف بين المسلمين -على اختلاف مذاهبهم-: كان سياسيا وتاريخيا فقط؟ أم أن الخلاف كان دينيا بحيث أنهم غير متفقين في الأصول من البداية وقد وقع التحريف منذ إرسال الرسول؟
الاختلاف بين المسلمين كان في بدايته سياسياً محضاً ولم يكن دينياً أبداً، فالكل كان إيمانهم وعقائدهم واحدة، ومساجدهم واحدة، لكن هذه الاختلاف السياسي ابتدأ بعد ذلك (منذ أواخر القرن الأول ثم خلال القرن الثاني) يأخذ شكل الاختلاف الديني عندما شرع كل فريق يلتمس الأدلة من الكتاب والسنة لنصرة مشربه و مذهبه، وهنا بدأت تظهر الآراء العقائدية المتفاوتة (حكم مرتكب الكبيرة؟ هل الإيمان بالقدر يعني الإيمان الجبر أم الإيمان بالقدر لا يتعارض مع الحرية في الأفعال والتخيير؟؟ هل الإمامة من الفروع المفوَّضة لاختيار الناس أم من الأصول التي يقوم الله بتعيينها؟ وعلى الفرض الثاني من هم الأئمة الذين أوجب الله طاعتهم؟ هل الله جسم ذو أبعاض و جهة أم هو مُنـزَّه تنـزيها مطلقاً عن كل جسمية أو أبعاض أو مكان أو جهة أو... أو ...؟؟، هل يُرى الله بالعين المجردة يوم القيامة أم لا يرى؟ ....... الخ)، ومن ذلك تبلورت الفرق التي كان اختلافها بالأصل سياسيا فأصبحت مع الوقت فرقاً دينيةً تختلف في الأصول والفروع، [رغم أن كل اختلافاتهم هي في أغلبها في أمور ليست من أساس وجوهر ولب الدين بل في الفروع أي في أمور اجتهادية و تفسيرات و قراءات مختلفة للنص وكل مجتهد مأجور.].
السؤال 15 - لماذا عندما يُذكر موضوع مراجعة تراثنا الإسلامي –الفكري والفقهي والسياسي-: فيتبادر إلى ذهنية البعض: إنشاء دين جديد يخالف ما ورثناه، وبالتالي يُحذَّر الناس من هذه الكتب والاطلاع عليها؟
الجواب: هذا من ضيق النظر، فلا أحد يدعو إلى دين جديد أبداً ، وهذا النمط من التخوف ناجم عن الخلط بين «الدين» و«المعرفة الدينية». فالدين عبارة عن الأركان والأصول والفروع التي نزلت على النبيّ  وجاءت في القرآن الكريم؛ إضافة إلى سنة النبيّ ، وهذه ثوابت لا يتطرق إليها التغيير، أما المعرفة الدينية فهي التي تندرج بشكل أساسي تحت الفروع الخمسة للعلوم الشرعية: الفقه وعلم الكلام والتفسير والأخلاق وتحليل السيرة العملية للنبي . «الدين» ثابتٌ وكاملٌ ونقيٌّ ومصونٌ من الخطأ. أما «فهمنا للدين» فلا يتمتّع بأي واحدة من تلك الأوصاف ولهذا فلا بد من التفريق بين الدين والمعرفة الدينية. إن «المعرفة الدينية» شأنها شأن سائر المعارف الأخرى معرفةٌ بشريَّةٌ، فهي حصيلة سعي العلماء وجهدهم في فهم الدين، وبما أن العلماء بشر فإن أوصافهم البشرية (مثل قوة العقل المحدودة، نقص العلم والفهم، إمكانية الخطأ، الرؤية أحادية الجانب و...) تـنعكس على فهمهم للدين وتؤثر عليه وبالتالي فإن نتيجة سعيهم هذا، ستكون معرفةً بشريةً (أي معرفة ناقصة، غير خالصة، مشوبة بالخطأ، مليئة بالرؤى أحادية الجانب، وتحتاج على الدوام إلى إعادة بناء وإصلاح). فما يُعرَف اليوم بالمعارف الدينية التي يقدمها العلماء والفقهاء إلى المجتمع (أي الآراء الفقهية والكلامية والتفسيرية و...) إنما هو حصيلة رجوعهم إلى النصوص الدينية وتفكيرهم وتأملهم العميق فيها، وهي وإن كانت جهود عظيمة و مشكورة و تراث غني لا ينبغي التنكر له، إن أنه لا يجوز اعتبارها معادلة للدين ذاته، ومساوية له. إن تلك الآراء هي في الواقع «فهم الدين» وليست «الدين» ذاته. وعلى ضوء النقطتين السابقتين (فصل وتمييز «الدين» عن «المعرفة الدينية», وكون فهم العلماء للدين فهم بشري) يمكن أن نستنتج بوضوح النقطتين التاليتين:
أ- أن مخالفة أيَّ رأي فقهيٍّ أو كلاميٍّ أو تفسيريٍّ لا تُعَدُّ مخالفةً للدين بل هي مخالفةٌ لفهم الدين؛ لأن مخالفة الدين إنما تكون عندما ينكر الإنسان نصوصه المقدسة (أي القرآن والسنة) لا عندما يختلف مع هذا الفهم أو تلك القراءة لتلك النصوص. وبعبارة أخرى إذا أنكر شخص حقية آية من القرآن واعتبرها خرافة فإنه بذلك ينفي الدين وينكره, أما إذا طرح فهما جديداً لتلك الآية - فهما مسوغا من الناحية اللغوية و القرآنية - خالف فيه فهم آخرين لها ، فإن هذا لا يُعَدُّ بأي وجهٍ طارحاً لدين جديد أو مخالفاً للدين ذاته.
ب- أنه لا يوجد أي فهم للدين فوق النقد, ولا ينبغي تعدية قداسة الدين والنصوص الدينية إلى الآراء والنظريات الدينية للعلماء والفقهاء. إن «الدين» حقيقة سماوية مقدسة, أما «المعرفة الدينية» فمنشؤها الفهم البشري الأرضي الذي لا يخلو من نقص وقابلية للخطأ ونظرة من طرف واحد، لذا لا يمكنها أن تكون مقدسة وفوق النقد. إن «المعرفة الدينية» تحتاج على الدوام – بسبب كونها معرفة بشرية- إلى الإصلاح وإعادة البناء واكتشاف ما يعتورها من خطأ وجبر ما فيها من نقص, وهذا لا يتم إلا من خلال الانتقادات والتساؤلات والتشكيكات التي يطرحها المخالفون والمنتقدون, ومن خلال الأبحاث والمحاورات العلمية والحرة, لذا لا بد أن نرحب بمثل هذه الانتقادات كونًها تساعدُنا على إصلاح الأفكار الدينية وإعادة بنائها، الأمرُ الذي يقرِّبنا من حقيقة الدين أكثر فأكثر.
السؤال 16- من باب الاعتراف: هل لنا أن نقول إن القرآنيين والمستشرقين كانوا على جانب من الصواب في نقدهم لما ورد في الحديث، و وجدوا الأرضية مهيّأة ليطعنوا في ديننا: لأننا لم نبادر نحن إلى تنقيته من الشوائب؟
ليس نقد القرآنيين والمستشرقين للحديث نقداً موضوعياً دائماً، بل لا يخلو كلامهم أحياناً من تعسّف و تعصّب و بُعْد عن الإنصاف. ولكن نعم ، يمكن أن نقول إن تخلف علماءنا عن المبادرة إلى تنقية التراث و تنقيحه بشكل متواصل ربما فتح بشكل غير مباشر المجال لأولئك المغرضين ليقولوا ما قالوا.

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش في السبت سبتمبر 05, 2009 11:30 pm

السؤال 17-يُقال أن القرآن احتوى على مناهج وحلول فيما يخص ما يواجه ويعتري الإنسان والأمة على السواء، فهل هذا صحيح؟ وما هي حدود القرآن في توجيه البشرية نحو الهداية والصلاح في جميع أمورهم؟
الجواب: نعم هذا صحيح القرآن كتاب هداية للفرد والمجتمع لكن هذه الهداية عامة و أخلاقية أكثر منها قانونية تفصيلية، فخطأ من يقول الإسلام فيه كل شيء ، وحل لكل شيء، فهذا تحميل للدين بما ليس من غرضه و لا مهمته ولا وظيفته. فليس في الإسلام - أعني القرآن والسنة - علوم الهندسة والكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب والصيدلة ولا فيه تعليم كيفية مد مجاري الصرف الصحي أو تنقية مياه الشرب! أو السبيل الأمثل لتشييد الأبنية والطرق مثلاً، كما ليس فيه قوانين مفصلة لتنظيم الدوائر الحكومية وتنظيم القوانين الصحية والمستشفيات وقوانين المرور و قوانين التعليم وأصول المرافعات القضائية بل حتى قوانين الانتخابات والمجالس التمثيلية ...الخ
نعم لقد اجتهد الفقهاء والعلماء في كل عصر حسب متطلبات زمانهم لسن القوانين المتطابقة مع المصالح العامة ومع روح الشريعة ومع عصرهم، والتي تضمن للناس تحقيق كليات وأغراض الدين الخمس (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ العرض، حفظ المال). لكن كل اجتهادات الفقهاء و مدوناتهم تلك هي تراث ثمين ومبارك مفيد نستنير به لكن لا نقدسه ولا نعبده بحيث نحرم الخروج عليه، بل علينا أن نستنير ونستلهم أيضاً من اجتهادات غير المسلمين في عصرنا هذا، إذْ لا يضرنا أبدا أن نأخذ بالعلوم والقوانين والنظم المفيدة التي توصل إليها غيرنا في الغرب أو الشرق طالما لم تتعارض مع تلك الأصول الكلية، فالقوانين والنظم والعلوم لا تعرف الحدود وليس لها دين معين، بل هي تراث بشري عام.
نعم هناك نصوص دينية في القرآن والسنة تتضمن قوانين مفصّلة إلى حد ما تتعلق بشكل خاص بالأسرة (النكاح والمهور والطلاق و العدة والإرث والوصية والحضانة و...) وبعض القوانين المدنية والجزائية المحدودة جدا، فهذه ينبغي أن نأخذ بها ليس من مذهب معين بل من خلال لجان من العلماء تأخذ أقرب الآراء إلى الصواب وأقربها إلى روح الشرع والعصر من جميع المذاهب الثمانية (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والزيدي والجعفري والظاهري والإباضي) ومذاهب السلف القديمة (الليث بن سعد و ابن أبي ليلى، والأوزاعي والطبري وأبو داود الأصفهاني و..ابن تيمية و.. الخ) ولعل المجاميع الفقهية اليوم كذلك الذي يتبع رابطة العالم الإسلامي، وذلك الذي يبتع منظمة المؤتمر الإسلامي فيها خير و فائدة ممتازة في هذا المجال.
وعلى كل حال فإن الدين بشكل عام، سواء الإسلام أم غيره، وظيفته توجيه الفرد والمجتمع نحو الله تعالى وتقوية الإيمان بالله وباليوم الآخر فهذا أساس كل خير، ثم توجيهه بعد ذلك توجيهاً عاماً نحو العدالة والقسط وأداء الحقوق والالتزام بالواجبات والعهود والمواثيق والرحمة والإنسانية ومنع الظلم على بني الإنسان، والدعوة لحل النزاعات بشكل سلمي ونبذ الحروب والاقتتال، وبناء الدولة والمؤسسات التي تضمن تحقيق ذلك والالتزام به و تضرب على أيدي من يتخلف عنه أيا كان، وهذه الأمور والإرشادات الإسلامية متفق عليها لدى جميع الأديان، وهي أمور تتفق عليها كل البشرية وتنادي بها على اختلاف أديانها و مشاربها، ونحن يجب أن نتعاون مع أبناء جلدتنا من بني الإنسان لما فيه خير البشرية جمعاء (وإن كانت هناك قوى متجبرة كالولايات المتحدة الآن مثلاً لا تنصاع لها لمخالفتها لمصالحها المادية الضيقة).
السؤال 18: وهل اطلعتم على ما يكتبه المفكرون المعاصرون من مختلف المذاهب:
-السنة والشيعة: وحدة الدين واختلاف السياسة والتاريخ/ أحمد الكاتب
-السلطة في الإسلام/ عبد الجواد ياسين
-الصراع الأبدي/ زكريا المحرمي..... إلخ من الدراسات والبحوث المعاصرة.
ولماذا نراهم متفقين في جُلِّ -إن لم نَقُلْ: في كُلِّ- النتائج التي توصَّلوا إليها؟
الجواب: نعم اطلعت عليها جميعاً وقرأت الأول والثاني بشكل كامل، و ما طرحوه قيم في معظمه، وقد التقوا في معظم النتائج لأنهم نبذوا العصبية المذهبية ونشدوا الحقيقة بعيداً عن التقليد والطائفية.
السؤال 19،
الجواب: تمت الإجابة عنه فيما سبق ضمن الإجابة عن الأسئلة السابقة.
السؤال 20 -هل حرية المعتقد مكفولة في ديننا؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبدّل معتقده حسب اقتناعه بأفكار معينة؟ أم أنه مُلْزَم بأفكاره الأولى وهو مقلِّد ولا مجال لإعمال عقله لأنه مازال قاصرا -أقصدُ هل أوجب علينا ديننا أن نحرّر الناس من ربقة الاستعباد الفكري، وندفعهم إلى البحث والسؤال، أم يكفي أن نحجّر لهم عقولهم ونمنعهم من مطالعة أفكار الآخرين خشية التحول عما كانوا عليه-؟ وهل يستطيع الدعوة إليها طالما أنه رآها صوابا؟ أم أنه لابد أن يراعي بيئته التي تعتقد غير ما يعتقده هو؟ وما توجيهكم؟
الجواب: طبعاً حرية المعتقد مكفولة في ديننا بكل وضوح وفي آيات عديدة، قال تعالى:
• لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة/256]
• وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف/29]
• ذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية/21، 22]
• قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام/104]
• فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور/54]
• مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ [المائدة/99]
والإنسان لا بد أن يعتقد بما توصل إليه بالبحث وبالدليل ولا يجوز أن يقلد تقليدا أعمىً ومحضاً في عقيدته، وله أن يختار ما توصل إليه و لو خالف عقيدة بيئته، نعم عليه أن لا يثير فتنةً بل يتخذ في الدعوة أسلوب الحكمة ويتغاضى عما ليس ذا أهمية كبيرة من الفرعيات، إذا خالف فيها قومه، أما الكليات والأساسيات فلا بد من الدعوة إلى ما توصل إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وبالتي هي أحسن. ولا بد من تعليم الناشئة البحث والسؤال فاليقين لا يتأتى إلا بعد المرور بمرحلة الشك والسؤال.
السؤال 21-نلاحظ في الوقت الراهن ظهور نُخَب فكرية جديدة ومخلصة من كل المذاهب تدعو لمراجعة ونقد تراث المسلمين وعَرضه على كليات القرآن والعقل والحقائق العلمية والتاريخية، بعيدا عن العواطف والتعصب، فما موقفكم وتوجيهكم حضرة السيد؟ ولماذا يُنبَذ هؤلاء ويُرمَوْن بالخيانة والعَمَالة ويُحذَّر من أفكارهم، بل ويُضطَهدون لأجل هذا النهج الذي تَبنَّوْهُ؟
الجواب: إنما يُنبذ المصلحون المجددون في كل عصر وفي كل مذهب بالخيانة والعمالة لأن أكثر الناس أعداء ما جهلوا ولأن الناس عبيد ما ألفوا ، لذلك لا يستوعبون الإصلاح الديني، وهذا متواصل في كل عصر و زمان وفي كل ملة ونحلة، ويجب على المصلحين والمجددين أن لا يأبهوا لهذا الأمر ولا يلتفتوا إليه، بل يواصلوا مسيرتهم الإصلاحية التحقيقية فسيأتي يوم ويعرف الناس أنهم كانوا على حق، ألم يكن الأنبياء أيضا كذلك؟ فلهم بهم أسوة.
والكلام في هذا يطول ، أكتفي بهذا المقدار وأتمنى لكم دوام التوفيق.

اهـ يوم 06-09-2009
سعد محمود رستـــــــــــــم
ماجستير في الفلسفة الإسلامية
ماجستير في التفسير والحديث

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

حرية المعتقد

مُساهمة  الشيخ عبده في الجمعة سبتمبر 11, 2009 5:48 am

نعم من الأمور التي كفلها الدين حرية المعتقد و هذا الأمر مفهوم حين يكون الذي اختار لنفسه رأيا لم يخرج من دائرة الدين أو أن صاحبه لم يُسلم بعد لكن الإشكال يكمن في حكم المرتد يعني إذا كان للفرد الحرية في اختيار معتقده فلم نحكم على المرتد ( الذي يرى بأنه قد مارس حقه) بالموت أكيد أن هنا حكمة أو ضبطا للمسألة نرجو منكم تجلية اللبس و شكرا  

الشيخ عبده

عدد المساهمات : 3
تاريخ التسجيل : 11/09/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى