منتدى أعــــــــزام
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
المواضيع الأخيرة
» اللحية: الأمر بالإعفاء والتوفير والإرخاء والإيفاء يتنافى مع الحلق والتقصير
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالأحد ديسمبر 06, 2009 12:36 am من طرف ياسر

» قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالجمعة ديسمبر 04, 2009 8:42 am من طرف أبونصر

» صور إخواننا في الصين في عيد الأضحى
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالخميس ديسمبر 03, 2009 7:58 am من طرف يحي بن عيسى

» الإمام غالب الهنائي في ذمة الله
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالثلاثاء ديسمبر 01, 2009 2:54 am من طرف يحي بن عيسى

» حول الدعوة إلى الله عز وجل
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالإثنين نوفمبر 30, 2009 8:50 am من طرف أبو محسن

» مصطفى محمود: المرأة كتاب.. اقرأه بعقلك ولا تنظر لغلافه
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالأحد نوفمبر 29, 2009 3:06 pm من طرف يحيى الاطرش

» عيدكم مبارك وكل عام وانتم بخير
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالأحد نوفمبر 29, 2009 1:00 am من طرف خالد آل عبدالله

» مــــــــبـــــــــــاراة بريـــــــــــــــــــــئــــــــــــة
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالجمعة نوفمبر 27, 2009 11:28 am من طرف أبو محسن

» هل نحن بحاجة إلى مراجعة فكرية لمنظومتنا التراثية؟
جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Emptyالأربعاء نوفمبر 25, 2009 12:44 pm من طرف يحيى الاطرش


جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي

اذهب الى الأسفل

جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Empty جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي

مُساهمة  يحيى الاطرش الثلاثاء سبتمبر 01, 2009 9:48 pm

أسئلة الأخ يحي الأطرش وجواب أبو يعرب:02/08/2009
الجواب
الأسئلة التي وجهها إلي السائل كثيرة. لكنها تقبل الرد إلى سؤالين:
الأول أصلي ويتعلق بمسألة السنة وتعارض بعضها مع القرآن
والثاني فرعي ويتعلق بما يترتب على التخلص من السنة بالوقوف موقف القرآنيين حلا لمشكلين هما مشكل التكيف مع العصر ومشكل الفرقة بين المسلمين.
وسأكتفي للجواب الفلسفي الدقيق عن المسألة الأولى التي هي الأصل باقتطاف فقرة من تفسير القرآن الفلسفي. أما المسألة الثانية التي هي فرع فحلها الفلسفي يبدو بينا من علاج المسألة الأولى يفهمه بذاته كل من يدرك أن انه قد قضى في آن:
1-على سفسطات العلمانيين أولا لظنهم العقل خاليا من التناقض علما وأنهم يتكلمون على العقل بعلم زهيد يبين جهلهم بمفهومه وبما طرأ على تصوره من تغير منذ الثورة النقدية وثورة نقد النقد سواء انطلقنا من فلسفتنا أو من الفلسفة الغربية
2-وعلى ثرثرات الطائفيين ثانيا لتصورهم أنهم قد وجدوا ثغرة في الموقف السني بالحرب على الحديث ومقابلته بالقرآن رغم أنهم يستبدلونها بما هو دونها متانة أعني خرافات المعصومين وتدجيل أصحاب الكرامات من المتصوفين
3-وعلى القرآنيين أخيرا لجمعهم بين الموقفين العلماني والطائفي زعما منهم الانطلاق من العقل والنقل في آن ولأن جمعهم بين الموقفين بين لكل ذي عقل خصصت لأساس موقفهم هذه المقدمة الرابعة من التأسيس المعرفي للتفسير الفلسفي الذي يصدر جزؤه الأول قريبا إن شاء الله.
ولن أتطرق إلى أي من هذه الفروع لأن علاجها وجوابي عنها جلها مبثوثان في الكثير من أعمالي ويمكن للأخ الفاضل صاحب الأسئلة أن يقرأها إذا أراد. فلست أريد أن أكرر نفسي في ما لا يستحق العلاج الفلسفي. والمعلوم أني قد اقتصرت في علاج مثل هذه المسائل على تحليلات قريبة من الفهم الجمهوري فكانت شبه الخطاب الصحفي رغم كونه ينتسب إلى المشاركات العلمية في الندوات ولا ينزل إلى الكلام المبتذل للصحافة التي تسيطر على الملاحق الثقافية في الصحافة العربية.

المقدمة الرابعة: التأسيس المعرفي
المسألة الأولى
العائق الظاهر أو التعارض المزعوم[1] بين القرآن والسنة
منطلقنا في العلاج الإبستمولوجي هو الشكل الجديد من إشكالية العلاقة بين العقل والنقل في الفكر الإسلامي الحالي (الشكل القديم هو الشكل الذي عالجه ابن تيمية ردا على الرازي في درء التعارض) العلاقة من حيث هي تعبير عن موقف وجودي يحدد به هذا الفكر صورة تلقيه المرجعية الدينية من موقف يغلب عليه رد الفعل في الوضعية التاريخية السائدة. ذلك أن المسألة لم تعد مسألة التعارض بين بعض العقل وبعض النقل من حيث هما متخارجان كما كان الأمر في الصيغة الأولى من إشكالية العلاقة بينهما بل هي في النقل نفسه بين بعضه (القرآن) وبعضه الآخر (السنة).
انتقل الإشكال إلى قلب النقل ذاته[2] حتى وإن كان الدافع إلى تتبع التعارض هو التصور الميتافيزيقي السائد للعقل: أصبح التعارض تعارضا بين القرآن والحديث على الأقل في الوعي النخبوي الذي بات يسلم ضمنيا بأن العقل محيط بكل شيء دون تحديد لهذا العقل ما طبيعته وإلى من ينتسب. وكان ينبغي ألا ينسى أصحاب هذا الموقف الذي يزعمه أصحابه نقديا وتنويريا أن العقل نفسه لا يخلو من تناقض بين بعضه (ما استقر منه في معتقد جيل معرفي) وبعضه الآخر (ما بدأ يبزع من معتقدات الجيل الموالي في التطور المعرفي). ذلك أنهم لو ارتفعوا إلى بحث قضية التعارض في ذاتها دون اعتبار لمجاله سواء أكان النقل أو العقل لأدركوا ضرورة أن يصبح العلاج متعلقا به تعلقا عاما. وعندئذ ينبغي أن نسأل عن طبيعة التعارض عامة ما هي بصرف النظر عن مجال ظهوره في النقل أو في العقل أو بينهما.
لكن الغاية التي وصل إليها شيخ الإسلام ابن تيمية في علاج قضية التعارض بين العقل والنقل تبقى عندنا المنطلق الأفضل للعلاج لأن التعارض المزعوم بين مرجعيتي النقل (=القرآن والسنة) ليس هو في الحقيقة إلا بقية خفية من التعارض المزعوم بين العقل والنقل كما أشرنا في المقدمة الثانية الخاصة بالإشكالية الوجودية: فهي ستوصلنا إلى الإشكالية العامة من منظور هذه الإشكالية الخاصة حتى لا نفقد الرابط المحيز للإشكالية في منبتها الفكري الأول. وهو ما يعني أنه علينا أن نواصل المشروع التيمي فنناقش هذا التعارض المزعوم داخل النقل نفسه منطلقين من مناقشة المعيار الوهمي الجديد الذي وصل هو بدوره إلى صيغته النهائية في القانون التالي: إذا تعارض القرآن والحديث الصحيح فينبغي تقديم القرآن واعتبار الحديث المعارض عند تعذر التأويل منحولا حتى لو أجمعت عليه الصحاح. وذلك يعني طبعا أن أحد النقلين الصحيحين يلغي الآخر بضمير مفاده أننا قد أدركنا المعنى النهائي للنص القرآني وحاكمنا بمقتضى هذا الإدراك المعنى النهائي للحديث.
وبين أن هذه المسألة أعوص من المسألة التي عالجها ابن تيمية رغم أنها فرع عنها. ذلك أن التعارض المزعوم ليس بين أمرين يزعمان متخارجين كما هي الحال بين العقل والنقل في صيغة التعارض التقليدية فيسهل الجواب عند فشل الحل التيمي باختلاف المصدرين والعلمين أي بالعودة إما إلى نظرية الحقيقتين المنسوبة إلى ابن رشد اللاتيني أو إلى نظرية طور ما وراء العقل الغزالية المتقدمة عليها بل هو بات تعارضا يزعم القائلون به إنه داخل النقل نفسه: بات النقل وكأن فيه تعارضا ذاتيا ينخره من الداخل. لذلك فحل أن تيمية لم يعد كافيا فضلا عن حل الغزالي وحل ابن رشد. لا بد من علاج أبعد غورا لأن الحل المقترح أو القانون الجديد لحسم التعارض المزعوم بين القرآن والسنة له نتائج لا تقدر. فهو عند القبول به سينتهي إلى الغاية المقصودة في ضمير البعض على الأقل من أصحاب المشروع حتى لا نظلم من حسنت نيته.
والضمير هو إسقاط تاريخية المتلقي على المرجع الديني واعتباره خاضعا هو بدوره للتاريخية فيلزم من ذلك ضرورة التخلص من المرجع الديني لأن ظروف المتلقي تغيرت[3]. ولما كانت ظروف المتلقي لا متناهية التغير فإن التنازلات لإيديولوجية التكيف مع الظرف الذي هو صورة الواقع وقد اعتبر واجبا الصورة التي يريدها الغالب ستتوالى إلى أن نصل إلى التنازل عن الإسلام كله: القصد هو الانتهاء إلى أن الإسلام لم يعد مناسبا للعصر لأنه عندهم مجرد إيديولوجيا إنسانية انتهى دورها بانتهاء مرحلتها التاريخية. فبعد مرحلة التخلي عن: 1-بعض الحديث رغم إجماع الصحاح عليه[4] ستأتي 2-مرحلة التخلي عن كل الحديث[5] 3-ثم عن بعض القرآن بدءا بالمدني منه[6] 4-ثم عن كل القرآن إلى أن[7] 5-يصبح الإسلام كله في خبر كان[8]. لكن أصحاب هذا الحل عليهم أن يفهمونا: كيف يحددون تعارض الحديث مع القرآن؟ أي ما معياره ؟ وقبل ذلك ينبغي أن يقولوا لنا كيف يحددون تناسق القرآن الذي سيقارنون معه الحديث لاكتشاف التعارض بينهما ؟ فشرطا هذا التحديد مستحيلان:
فمستحيل أن نحدد المعنى القرآني الذي يكون التعارض معه كافيا لإلغاء الحديث المعارض رغم صحته عند تعذر التأويل: لأن شرطه مستحيل. فالحكم بتناسق القرآن أو عدمه يقتضي العلم المطلق بكل ما يتكلم عليه القرآن فضلا عن النظرة الكونية الشاملة التي لا تقبل المقارنة ما موضوعها إلا إذا شهدنا نهاية الكون. لا أحد يمكنه أن يثبت بالعقل التناسق فضلا عن التناقض أو ينفيهما عن القرآن الكريم. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الطبيعة. فلا معنى لإطلاق هذا القانون من الأصل لأنه مجرد قاعدة منطقية لبناء بعض نظرياتنا ولا شيء يثبت أن الوجود يخضع له: لذلك نهينا عن الخوض في المتشابه آل عمران 7.
وقبل ذلك ينبغي أن نثبت أنه من شروط الحقيقة الدينية مبدأ عدم التعارض بين نصوص الدين تسليما جدليا بأن هذا المبدأ هو من شروط الحقيقة الوجودية التي يدركها العقل فضلا عن الحقيقة الروحية التي تتجاوزه حتى وإن توسلته المناهج المعرفية لبناء أنساقها المؤقتة والتي لا تتطور إلا بالتخلي عنه للانتقال من نظام نظري سابق إلى نظام نظري لاحق شرطا في تقدم المعرفة العلمية بإملاء التجربة. فما نحتاج إليه لبناء الأنساق من شروط منهجية ضروري لهذه الوظيفة دون أن يكون ضروريا للموضوع الذي ندركه بها وإلا لكان مجرد تناسق القول كافيا للعلم. ولو قلنا بضرورة مبدأ عدم التناقض لموضوعات العلم كلها ولم نقصر ذلك على قضاياه لكان ذلك يعني أنه ينبغي أن نسقط كل خصوصيات مناهجنا على الوجود فيكون هو المعيَّر ويكون فكرنا هو المعيار[9].
لماذا يعتبر التعارض أمرا ينبغي التخلص منه خاصة وتعارض الأدلة بل وتراجحها هو السر العميق لشرط إمكان الحرية ومن ثم فهو الأصل الإيماني في كل عقيدة بما في ذلك عقيدة العقلانية[10] ؟ فالجواب عن هذين السؤالين يبين أن القضية ليست في الحقيقة مسألة التعارض بين الحديث والقرآن بل هي بمستوياتها الخمسة التي تتوالى تعود إلى دعوى التعارض الأصلي أعني دعوى التعارض بين النقل والعقل والحل الذي وضعة الغزالي ورسخه الرازي: تقديم العقل على النقل وتأويل النقل في ضوء العقل في حالة التعارض المزعوم.
ذلك أن كل ما نفضله من هذه المستويات الخمسة بالتوالي علته أننا نعتبر ما فضلناه أكثر عقلانية أو أقل تناقضا مع ما نتصوره غير معارض للعقل مما أبقينا عليه من القرآن إلى ألا نبقي منه شيئا عدا ما نتصوره عقليا بحسب إيديولوجيا عصر المتلقي كما هي الحال عند ماضغي هذه الإشكالية دون الذهاب بها إلى الغاية جهلا أو تجاهلا. وإذن فهذا الكلام فيه ضمير مخفي وراء التستر بآخر ما يتبقى من القرآن لمحاكمة ما يراد حذفه من الحديث. ومن ثم فأصحاب هذا الموقف بوعي أو بغير وعي عادوا إلى معيار الغزالي والرازي حتى وإن لم يعلنوا عن ذلك.
لكننا بخلاف بادئ الرأي نعتبر الأمرين اللذين يدعوانهم إلى وقوف هذه المواقف من منظور آخر قد يبدو لهم مفارقيا: فهما عندنا دليل قاطع على الصحة لا على الانتحال وعلى العقلانية لا على عدمها. لذلك فلا بد من إعادة النظر في مقياس العقل الذي يزعمون الاستناد إليه لئلا يقع الخلط بينه وبين إيديولوجيا عصر المتلقي أو بصورة أدق إيديولوجيا من يسعى إلى إرضاء المتغلب الحالي الذي صار البعض يعتقد أن واقعه هو واجب الإنسانية:

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Empty تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش الثلاثاء سبتمبر 01, 2009 9:49 pm

الأول: فكل ما يبدو من مناقض للنحو العربي في القرآن-تسليما جدليا بتحكيم نحو الخليل في القرآن- أو تناقض -تسليما جدليا كذلك بتحكيم منطق عدم التناقض في القرآن-دليل على أمانة اللجنة العلمية التي ضبطت النص النهائي للقرآن الكريم عند معارضة النسخ المكتوبة في حوامله التي كتب عليها في عصر النبي أو المحفوظة في الصدور. ومن ثم فليس من معنى لهذا الشذوذ المزعوم إلا أنه مقصود من المرجع نفسه حافظت عليه اللجنة العلمية لأمانتها ولتأكدها من صحته رغم شذوذه إن سلمنا بأنه كان يعد شذوذا عندهم. وعلينا الاجتهاد في فهم القصد مما يبدو تناقضا بدل التخفف السريع منه: فليس النحو معيارا كافيا. ولا منطق عدم التناقض. وهو ما سنحاول بيانه من خلال بعض الأمثلة إن شاء الله.
الثاني: كل ما يبدو مناقضا للقرآن من الحديث يبدو لي دليلا على أمانة رواة الحديث الذين عدَّلهم أصحاب الصحاح فقبلوا منهم حتى لو سلمنا بأنه قد بدا لهم مناقضا للقرآن. فلا هم ولا أصحاب الصحاح كانوا بلهاء بحيث لم يتفطنوا لما يبدو تناقضا أو حتى للتناقض الحقيقي مع القرآن. لكنهم حافظوا عليه لأنه صحيح ولأنهم لا يسلمون بأن مبدأ عدم التناقض معيار ضروري في الحقيقة عامة فضلا عنه في الحقيقة الدينية[11]. ومن ثم فليس من معنى لهذا التعارض إلا أنه مقصود من المرجع نفسه: وليس منطق عدم التناقض بالمعيار الكافي. وعلينا الاجتهاد لفهم القصد دون التسرع في التحكم المزعوم عقليا. وهو ما سنحاول بيانه من خلال بعض الأمثلة كذلك.
والحل الذي نعتمده في هذه المحاولة هو الذهاب بمشروع ابن تيمية إلى غايته التي وقف دونها حتى نحدد مقوماته تحديدا صريحا وأكثر شمولا بحيث لا نكتفي بإلغاء مقولة التعارض بين العقل والنقل على العموم ودون تحديد بل نتجاوز ذلك إلى هذه السوسة التي يزعمون أنها تنخر وحدة المرجعية فيضربون بعضها بالبعض إلى أن يسقط الكل. ذلك أنه لو صح ما يقولونه عن تحكيم مبدأ عدم التناقض لما سقط النقل وحده بل ولسقط العقل معه لأن ما يظن تناقضا عند أصحاب العقلانية الميتافيزيقية هو المحرك الأساسي لكل علم وعمل. وعلينا أن نجيب عن السؤالين المضاعفين التاليين لإتمام الحل التيمي تمهيدا للحل الأشمل الذي يحررنا من هذه السوسة:
السؤال المضاعف الأول: 1-ما المقصود بصريح المعقول وبأي علم ندرك صراحته دون دور حتى لا نجعل العقل قاضيا ومتقاضيا؟ 2-وما المقصود بصحيح المنقول وبأي علم ندرك صحته دون دور حتى لا نجعل النقل قاضيا ومتقاضيا؟
السؤال المضاعف الثاني: 1-هل صريح المعقول بمعنييه (صريح بمعنى خالص وصريح بمعنى غير ضمني) يخلو من التعارض وبأي علم نعلم ذلك إذا كنا نمتحن به المعقول والمنقول ؟ 2-وهل صحيح المنقول بمعنييه (صحيح بمعنى حقيقي وصحيح بمعنى صادق) يخلو من التعارض وبأي علم نعلم ذلك إذا كنا نمتحن به المنقول والمعقول ؟
والسؤال المضاعف الثاني أبعد غورا من السؤال المضاعف الأول وكلاهما غاب في علاج ابن تيمية لظروف ليس هذا محل ذكرها فضلا عن كون الذهاب إلى الغايات في النظريات كان يعد من المذمومات ربما لإفراط أجيال الفكر العربي الإسلامي المتقدمة في البيزنطيات دون النفاذ إلى الأساسيات. فبقي المشكل دون علاج طرحاً فضلا عن الحل. ذلك أن مسالة التعارض في المنقول التي يراد علاجها بالتخلص من الأحاديث التي تزعم معارضة للقرآن يفترض أن المعقول الذي دفع إلى ذلك يخلو من التعارض ويفترض أننا وجدنا النسق القرآني الذي نحتكم إليه لتحديد ما ينبغي أن يعتبر متعارضا معه. وتلك هي العلة في ضرورة حسم هذه المسألة بوجهيها قبل العودة إلى المسألة التيمية.
للجواب ينبغي أن نسأل عن المقصود بالمعقول والمنقول المشار إليهما في قانون التأويل الذي بدأ مع الغزالي وبلغ تمه مع الرازي ما هو ؟ أليس القصد المضمون المعرفي الذي يزعم موضوعا مشتركا بين المعرفة العقلية والمعرفة النقلية والتي يجد المتكلم بين نصيهما النقلي والعقلي تعارضا ؟ فإذا كان المضمون ينبغي أن يكون متعلقا بموضوع واحد وكان على إحدى المعرفتين أن تتنازل للأخرى عند التعارض فأي معنى يبقى للوصفين معقول لأحد النصين ومنقول للنص الثاني ولم الفصل بينهما من أصله ؟ وهل التطابق بين ما صَرُح من العقلي وما صحَّ من النقلي يعني أن الفرق بينهما يأتي من عدم الصراحة وعدم الصحة فيصبحان عند حصول الصراحة والصحة أمرا واحدا ويزول ازدواج النص ؟ هل هما إذا لا يختلفان إلا بشرط أن يفقدا هاتين الصفتين فلا يبقى النقلي نقليا والعقلي عقليا بل جنس ثالث هو الصريح والصحيح وهو غير المضمون النصي وغير المضمون العقلي أو هو ما فيهما من واحد ؟ وما الحاجة إليهما خاليين منهما ؟ أيكون القصد منهما المغالطة ؟ لذلك فلا بد من تقديم مسألتين شارطتين لعلاج هذه المسألة الغامضة:
فلنسأل أولا ما شروط عدم التعارض في المضمون العقلي ذاته بصرف النظر عن صلته بالنقلي تلاؤما أو تعارضا ؟ أليس ينبغي أن يتوفر فيه شرطان ليكون عدم التعارض الذاتي للعقلي ذا معنى:
ينبغي أولا أن يكون العقلي ذا موضوع واحد حتى نتكلم عن التعارض وعدمه إذ لا معنى للتناقض إذا تعددت موضوعات العلم العقلي اللهم إلا إذا ظن المتكلم أن الوجود كله موضوع واحد يخلو علمه من التعدد والتناقض فضلا عن التعارض. وهذا الزعم الأول ليس له أساس عقلي إلا في وهم أصحابه.
وينبغي ثانيا أن يكون لنا حصرٌ محيطٌ بكل القضايا المتعلقة بذلك الموضوع إن سلمنا جدلا بوحدته فنمتحن تلاؤمها ونثبت عدم تعارضها.وليس لهذا الزعم الثاني أساس عقلي كذلك إلا إذا ظن أصحابه أنهم قد أنهوا عملية المعرفة فأحاطوا بكل شيء علما. وهذا أيضا من الأوهام.
ولما كان كلا الشرطين مستحيلا فلنلجأ إلى امتحان ثان بأن نعكس القضية كلها ونزعم أن إثبات عدم التعارض يقتضي أن نفرغ العقلي من كل مضمون لنتكلم على الصورة العقلية التي هي واحدة من حيث هي صورة عقلية ومن ثم فهي قابلة لأن تكون متسقة وخالية من التعارض. ولعل ذلك هو القصد الأول بالعقلي الصريح: الصورة العقلية الخالية من المضمون هي العقلي الصريح الذي يمكن أن يكون خاليا من التعارض[12].
ولنسأل ثانيا ما شروط عدم التعارض النقلي ذاته بصرف النظر عن صلته بالعقلي تلاؤما أو تعارضا؟ أليس ينبغي أن يتوفر شرطان ليكون عدم التعارض الذاتي للنقلي ذا معنى:
ينبغي أولا أن يكون النقلي حول موضوع واحد حتى نتكلم عن التعارض وعدمه إذ لا معنى للتعارض هنا أيضا إذا تعدد الموضوع اللهم إلا إذا ظن القائل بهذا الرأي أن النقليات لا تتكلم إلا في موضوع واحد. وهذا الزعم ليس له أساس نقلي بل هو من الأوهام.
وينبغي ثانيا أن يكون لنا حصرٌ محيطٌ بكل القضايا المتعلقة بذلك الموضوع إذا سلمنا جدلا بوحدة الموضوع فنمتحن تلاؤمها ونثبت عدم تعارضها. وهذا أيضا لا يسنده نقل. وهو إذن من الأوهام كذلك.
ولما كان كلا الشرطين مستحيلا كذلك فلنلجأ هنا أيضا إلى امتحان ثان بأن نعكس القضية كلها ونزعم أن إثبات عدم التعارض يقتضي أن نعري النقلي من كل صورة ونتكلم عن المضمون النقلي الذي هو واحد من حيث هو مضمون نقلي ومن ثم فهو قابل لأن يكون متسقا وخاليا من التعارض: المادة النقلية العرية عن كل صورة هي النقلي الصحيح الذي يمكن أن يكون خاليا من التعارض[13].
وعندئذ نجد أنفسنا أمام مسألتين عجيبتين:
الأولى: هل للكلام عن تلاؤم أو تعارض بين مضمون نقلي خالص هو مادة عرية عن كل صورة قبالة صورة عقلية خالصة هي صورة خالية من كل مضمون كلام ذو معنى معرفي فضلا عن المعنى الوجودي ؟
الثانية: هل يوجد علم بصرف النظر عن كونه عقليا أو نقليا يكون علما خاليا من المضمون بإطلاق فيكون علما عقليا خالصا وعلما عريا عن الشكل بإطلاق فيكون علما نقليا صحيحا وبأي علم عرفنا ذلك هل بالعقلي الخالص أم بالنقلي الصحيح وكلاهما لا صلة له بالأخر؟
ألا ينتج من هاتين المسألتين العجيبتين أحد أمرين: فإما أن يكون للإنسان علم لا هو نقلي ولا هو عقلي يميز به بينهما ويمتحن تطابقهما وعدمه أو أن يكون موضوع العلم أيا كان العلم نقليا في الغاية وشكل العلم أيا كان العلم عقليا في الغاية؟ فلا يكون النقلي والعقلي الخالصين إلا مفهومين حدين لا يوجدان بالفعل إلا متلازمين ليس يمكن لأي منهما أن يخلو من آخرهما. ومن ثم فالإشكال كله عند حصول التعارض علته أن الشكل العقلي غير ملائم لـلمضمون النقلي أو العكس. ومن ثم فنحن أمام أزمة معرفية لا مجرد تعارض يحسم بالتأويل الذي يلغي الإشكال متوهما حله بفرض التنازل على أحد حدي العلاقة. فيكون علينا تحقيق الإصلاح الضروري إما للصورة العقلية (تغيير أدوات الصوغ = مسألة منطقية ولهذا حاول ابن تيمية إصلاح المنطق أو علم الصورة)[14] أو للمادة النقلية (إصلاح أدوات تحصيل المضمون = مسألة تجربية ولهذا حاول ابن خلدون إصلاح التاريخ أو علم المادة)[15] كما هي الحال في كل الأزمات التي تمر بها العلوم في تطورها بصرف النظر عن كونها دينية أو دنيوية.

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Empty تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش الثلاثاء سبتمبر 01, 2009 9:50 pm

وبذلك يتبين أن التعارض الداخلي في علوم النقل لا يختلف في شيء عن التعارض الداخلي في علوم العقل بل هو أكثر دلالة على طبيعة الإشكال فضلا عن كونه يرد إليه في الغاية. فيكون التعارض في الحالتين ذاتي للعلم من حيث هو علم بصرف النظر عن كونه نقليا أو عقليا: إنه المحرك الدائم لصيرورة العلم والعمل للتناوب بين الإصلاحين التاليين اللذين يقتضيهما علاج التعارض بين الصورة الكلية والمادة العينية. ومن ثم فالعلاج واحد: إما بإصلاح نظري عقدي يكون مدخله منطقيا لصوغ صورة العلم النظري صوغا يغير صوغه مادته وهو مشروع ابن تيمية أو بإصلاح عملي شرعي يكون مدخله تاريخيا لصوغ مادة العلم العملي صوغا يغير صوغه صورته وهو مشروع ابن خلدون. فيكون حل المسألة بالجمع بين المدخلين التيمي والخلدوني ضرورة[16].
________________________________________
[1] من لم يفهم الفرق بين النظر والعمل عامة وبين النظرية وتطبيقاتها خاصة لا يمكن أن يدرك زيف الإشكال الذي ينطلق منه أصحاب القول بالتعارض بين القرآن والسنة ومن ثم الزعم بأنهم يدافعون عن الإسلام بتخليصه من السنة للإبقاء على كونية الدين وصفاء العقيدة. فالدين الذي يبقى بعد نزع السنة منه لن يحقق لهم هذه الغاية إلا إذا نزعوا منه القرآن المدني كذلك لأن فيه من التشريعات العملية ما يتصورونه غير ملائم للحداثة. فيكون الهدف هو جعل الإسلام مسيحية بصورة متنكرة: أي مجرد دعوات خلقية في خدمة إمبراطوريات العصور المتوالية بتقاسم الاستبداد على الإنسان حيث يكون لقيصر البدن وللبابا الروح. لكن الإشكال ليس في هذا التعارض المزعوم الذي يظنه أصحاب هذا الموقف موجودا في المرجعية نفسها التي يتصورونها مزدوجة بل هو في أصل أعمق حاول شيخ الإسلام ابن تيمية علاجه لما كان الإشكال يطرح لعلاج ما يتصورونه تعارضا بين النقل والعقل تعارضا خارج الدين دون أن ينقله كما يفعل أصحاب الإشكالية الحديثة الذين يجعلونه تعارضا النقل القرآني والنقل السني. ونحن سننظر في الأمرين كلا على حدة للتمكن من علاجه فيهما أولا ثم في علاقتهما ثانيا وبيان زيف المشكل من أصله أخيرا.
[2] ولهذه النقلة فائدة جمة. فهي موازية لنفس الأمر الذي حصل في العقل. فقد كان السائد في الفلسفة أن العقل لا يتضمن في ذاته صراعا مع ذاته بل هو صراع بينه وبين أخطاء الحواس. فظل الفلاسفة يعيشون هذا الوهم متصورين أن تحرير العقل من أخطاء الحواس يجعله بمنآى عن التعارض في ذاته ومن ثم يصبح المنطق أداة تعصم الذهن من الخطأ. لكنهم لم يدركوا أن هذا الحل هو في الحقيقة المشكل: فالعقل بمجرد أن يتخلص من المضمون الحسي يصبح صورة خاوية لا معنى لتناسقها ولا لعدمه لأنها ليست معرفة أصلا.
[3] المسؤولية في تعريض المرجعيات إلى هذه الإشكالية موزعة مناصفة بين الحزبين الأصوليين الديني والعلماني. فالأصولية الدينية أرخنت المرجعيات بسبب تلعقها بأعيانها من حيث هي ثمرات أفعال لا من حيث هي فعل أثمرها. والأصولية الدينية تزعم أن التاريخيات كلها من مستوى واحد. فحتى لو سلمنا بأن أعيان التشريع تاريخية لأن ما يتعلق به التشريع من أحداث وأفعال تاريخية فإن ذلك لا ينفي أن التاريخية ليست كلها بنفس النسق. فبعضها مديد وبعضها قصير وبعضها متوسط وبعضها بين المديد والمتوسط وبعضها بين المتوسط والقصير. وهم مثلا يعلمون أن النظريات لها تاريخية تختلف عن تطبيقاتها وأن الفنون لها تاريخية متجاوزة للحقبات الذوقية إلخ... لكن المهم بالنسبة إلينا ليس في إثبات بعض الثبات في دلالات النصوص بل هو في بيان أن الدلالة المقصودة في المرجعية ليست تاريخية أصلا. وليس ذلك بمعنى أنها غير خاضعة لمفعول الزمن من حيث فهمنا لنا بل بمعنى أن مفعول الزمان مقصور على فهمنا لها ولا ينفذ إليها. ومعنى ذلك أن نسبة المرجعية إلى فهومنا هي عينها نسبة قوانين الطبيعة التي نطلبها بعلمنا إلى القوانين التي نصوغها بها بحسب التدرج العلمي في الوصول إلى ما نتصوره أقرب إليها فأقرب. فعندما تتغير نظرياتنا العلمية فنحن لا نتصور قوانين الطبيعة تغيرت بل نتصور معرفتنا هي التي تغيرت: قوانين الفلك لم تتغير لكن نظريات الفلك تغيرت لما انتقلنا من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس في النظام الشمسي ولما انتقلنا من العالم المحدود والمقصور على نظامنا الشمسي أو على درب التبانة مثلا إلى عالم يكاد يكون لا متناهيا.
[4] نزعة القرآنيين بدأت محتشمة لكن غايتها تتجاوز التخلي عن العمل بالسنة كلها. ولعل أفضل ممثل لبداية التخلي عن العمل ببعض السنة الأستاذ جمال البنا وإن كان الشيخ أبو زهرة صرح في غاية حياته بما يشبه هذا الرأي عند كلامه على الرجم كما جاء في شهادة الشيخ القرضاوي.

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جواب الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي Empty تابع للجواب

مُساهمة  يحيى الاطرش الثلاثاء سبتمبر 01, 2009 9:52 pm

[5] كما في فكر الفرقة الجديدة التي تطلق على نفسها اسم فرقة القرآنيين. والمرء لا يستطيع أن يميز بينهم من كان حقا يفعل ذلك غيرة على الإسلام من الموضوعات حتى لا نتهم النوايا ومن يفعله جزءا من خطة غايتها النهائية النفي التدريجي لكل النصوص المرجعية في الإسلام. لكن النوع الأول هو حسب فهمي ضحية سوء الفهم الذي يفسد العلاقة بين النصين المرجعيين في الإسلام: فالسنة ليست كالقرآن بل هي تعليمه وتطبيقه وما يؤثر منهما ليس مضمونهما العيني بل منهاج التعليم وشرعة التطبيق. ولذلك فكل خوف من التنافس بينهما ليس هو إلا من سخف من يتصور ذلك صادرا عنهما وليس عن سوء فهم لهذه العلاقة.
[6] وهو مؤدى فكر أبي القاسم الحاج حمد صاحب العالمية الثانية رحمه الله وقد دحضنا جل حجه في ورقة قدمناها في الندوة التي عقدت مؤخرا بالخرطوم وصدرت سابقا في مجلة المعهد التابع لجامعة النهرين في السودان.
[7] وهذا رأي كل قارئيه في ضوء ما يسمونه بالواقع حسب الفهم الماركسي أعني جل اليساريين العرب الذين يزعمون أرخنة كل شيء ومن ثم نفي كل تعال على الظرفيات التاريخية.
[8] وهذا رأي جل الذي يعتبرون كلام ماكس فيبر قرآنا وبعضهم يقول برأيه في الأديان جميعا والبعض الآخر في الإسلام خاصة.
[9] ذلك أن العقل المعيار مفهوم غامض بل هو مفهوم مغالطي. فأي عقل نعني؟ هل هو العقل الإنساني الذي هو متناه وتاريخي بالضرورة؟ فعند النظر إليه بالالتفات إلى ماضيه يكون العقل هو تاريخه الحاصل وعند النظر إليه بالالتفات إلى مستقبله هو مشروعاته المتوقعة والتي سيكون ما يحصل منها تاريخه الماضي. أم هو تصور غاية يقصد به العلم المطلق بنظام الوجود نفسه الذي يكون في الغاية من المعرفة مطابقا لهذا النظام ؟ لكن عندئذ ليس المقصود العقل من حيث قدرة إنسانية بل المقصود عين النظام الوجودي سواء فهمناه بمعنى صورته المحايثة أو اعتقدنا انه علم متعال هو عند الفلاسفة العقل الإلهي وعند المؤمنين علم الله. فلا ينبغي الكلام عن التعارض مع هذا العقل: فكل المعرفة الإنسانية معارضة لهذا العقل ما لم تكتمل أي ما لم تصبح ذلك العقل نفسه. فكيف إذن يتكلم أصحاب هذا المعيار على التعارض مع العقل ؟
[10] فلو أخذنا أسمى العلوم أعني طلب الأدلة على وجود الله بالعقل كما في الأدلة المعهودة –أعني دليل نظام العالم ودليل خيريته ودليل تسخيره للإنسان من منظور إنسان محظوظ فيه- لوجدناها متراجحة مع الأدلة المقابلة أعني فوضى العالم وشريته وتسخير الإنسان له بمجرد أخذ الإنسان الثاني من زمرة المحرومين بالمقابل مع الإنسان الأول الذي أخذناه من زمرة المحظوظين. ذلك أن هذه الأدلة الموجبة والأدلة السالبة لا تعبر عن حقائق موضوعية بل عن مواقف ذاتية أولها متفائل فلا يرى إلا الموجب من العالم والثاني متشائم فلا يرى إلا السالب منه. أما حال العالم في ذاته فلسنا ندري ما هي بالعقل وحده إلا إذا انتظرنا نهاية العالم ورأينا العاقبة فوجدناها خيرا وطبعا إذا ما استثنينا الإيمان لئلا نقع في المصادرة على المطلوب. ولو اتبعنا أمزجة الناس بحسب ظروفهم لامتنع الفهم والعلم لأن هذه الأحكام التأسيسية لا ينبغي أن تنتظر نهاية العالم للبناء عليها إذ عندئذ لن يكون احد بحاجة إلى العلم بالعالم. لذلك فالفهم والعلم كلاهما يستند إلى خيار وجودي حر تجاوز البحث اليائس عن أساس خارجي للخيار الإيماني فهما للوجود وعلما بأسراره: هذا الخيار داخلي محض وهو معنى الإيمان من حيث هو رهان روحي على دور الإنسان في الوجود وعلاقته بالله مبدأ لكل شيء خيره وشره ومن ثم إسلاما للإرادة الإلهية المطلقة. ومن دون هذا الموقف يكون العقل نفسه مستحيلا لذلك فالموقف العقلي نفسه موقف إيماني. وقد صدق اللسان الألماني إذ سمى العقلانية بعقيدة العقل Der Vernunftglaube. من لم يؤمن أن ما يجري ليس فوضى لا معنى لطلبه قوانين نظامه ومن لا يؤمن بأن الإنسان له القدرة على مثل هذا الطلب يكون شكاكا فلا يقر له قرار. الموقف العقلي الوحيد من دون الرهان الإيماني هو الشكاكية نظريا والانتهازية عمليا والجمع بينهما مطلقين هو البراغماتية المطلقة التي تنفي وجود الحقيقة ولا تقتصر على القول بالذريعية النسبية الملازمة للإيمان الصادق أعني القول بقصور عقل الإنسان عن الإحاطة بالحقيقة رغم التسليم بوجودها في الغيب وذلك هو معنى الاجتهاد.
[11] بل هو مبدأ عقيم حتى في الحقيقة العادية والعلمية. ولولا ذلك لما فهمنا لم كان التطور والتاريخية ضروريين في المعرفة العلمية. فالتناسق غير المتناقض ضروري من حيث هو أداة تنظيم للشبكة الرمزية التي نصوغ بها صورتنا المؤقتة عن مجال معلوم ما. وهو ضروري منهجيا من وجهين: فهو يمكن من اكتشاف ثغرات النسق ومن ثم اكتشاف ما يسدها فيكون أداة اكتشاف وهو يمكن من الذهاب النظريات إلى الغاية امتحانا لفاعليتها فيمكن من استنفاذ إمكاناتها لتحقيق الأفق الجديد للتنظير. وهذا الأفق يبرز بالذات بفضل التعارض عندما يكون على أشده. فلما نستفرغ كل إمكانات تلك الشبكة أعني لما نكتشف حدود عدم التناقض نقرر قصدا التناقض مع ما سبق بوضع شبكة جديدة أوسع يصبح المتناقض المرفوض بمنطق الأولى مسموحا به بمنطق الثانية. وهكذا إلى غير غاية ما ظل البحث العلمي متواصلا في جدله مع موضوعه. فإذا طبقنا هذه الحقيقة على النصوص الدينية وجدنا أنها نصوص تقتضي طبيعتها أن تتضمن بالقصد الأول التناقض لأنها أولا نهائية ولا تقبل الزيادة ولا النقصان –على الأقل بعد تحقيقها وتثبيتها في سنة معينة- وهي ثانيا تستخدم لأغراض مختلفة تمام الاختلاف فتكون بالضرورة متعارضة إذا قرئت من زاوية أحد هذا الأغراض وكأنها مقصورة عليه وحده أو لكأنها جعلت ليكون استعمالها مرسلا وليس محددا بشروطه. وكل همنا في هذه المحاولة هو قراءتها من حيث هي إستراتيجية توحيد للأمة والإنسانية دون الزعم أنها تنحصر في هذه الوظيفة.
[12] وبين أن هذا من التسليم الجدلي ليتقدم الكلام. لكنه في الحقيقة ممتنع: لأن شرطه أن يرد العقلي إلى قضية واحدة بل إلى مفهوم واحد خال من كل تنوع في مقوماته حتى يكون واحدا بحق خاليا من التعدد المفضي حتما إلى الاختلاف ومن ثم إلى عدم التطابق التام وهو بداية التعارض. لكن نقبل جدلا أن العقل من حيث هو صورة خالية يمكن أن يعد عديم التعارض.
[13] وهذا أيضا تسليم جدلي. ذلك أن المضمون الخالص أو المادة الفاقدة لكل صورة ستكون فاقدة للتنوع والتعدد الذي هو الصور فيها. فإذا خلت من التصوير المنوع لها صارت صورة واحدة هي عين مطلق الصورة فيكون النص الديني خاليا من التنوع ومقصورا على صورة واحدة هي مضمون بلا تنويع أو مطلق اللامصور الذي هو سيلان أبدي لا يحده حد.
[14] من مفارقات هذه العملية أن إصلاح الصورة آل إلى نظرية جديدة في ما بعد الطبيعة غيرت مفهوم المضمون من أصله: لم يعد المضمون حقائق الأشياء كما هي عليه حسب رأي الفلاسفة الساذج بل علاجات العقل الإنساني للأشياء بما عنده من تجارب والحقيقة لا يعلمها إلا الله.
[15] نفس المفارقة العجيبة حصلت هنا أيضا ولكن في الاتجاه المقابل. فإصلاح ابن خلدون للمادة آل إلى تصور جديد لما بعد التاريخ غير مفهوم الصورة من أصلها: لم تعد الصورة طبيعة الإنسان كما تتعين في بنية النفس والمنزل عند الفلاسفة بل صارت " ما يعرض له (=للإنسان) من حيث العمران" أي إن الفاعل التاريخي لم يعد جواهر هي النقوس بل علاقات هي ما بينها أو ثم ما بين المنازل وما بين مقومات العمران في مستوى الأمة الواحدة أو بين الأمم من علاقات. وقد حصر ابن خلدون هذه العلاقات المتعددة في صنفين مضاعفين هما صنف علاقات التساكن لقضاء الحاجات وصنف علاقات التساكن للتآنس. لذلك كان اسم علمه مضاعفا: فهو علم العمران البشري (=علاقات التساكن لقضاء الحاجات) والاجتماع الإنساني (=علاقات التساكن للتآنس). والحاكم في مجريات التاريخ ليس هو إذن جوهر النفس بقواها الثلاث (العقل والغضب والشهوة) ولا مكونات المنزل الثلاث (رب الأسرة والعبيد وباقي أفراد الأسرة) بل أنماط العلاقات في قضاء الحاجات وأساليب العلاقات في التآنس أي الاقتصاد الذي يفعل بمحددات الإنتاج المادي والثقافة التي تفعل بمحددات الإنتاج الرمزي ! فصارت النفوس والمنازل على صورة الشروط التي يحددها الإنتاج المادي والإنتاج الرمزي وليس العكس كما كان الفلاسفة يتصورون.
[16] وهذا يغنينا عن الحل الكنطي الحل الذي ينسب الصورة إلى الذات المجهولة والمادة إلى الموضوع المجهول. ولعل الشيء في ذاته هو الذي يجمع بين هذين المجهولين. وقد يكون القبول بالحل الكنطي أمرا ميسورا في البداية لكن تاريخ الفكر الغربي بين أن ذلك لا يمكن أن يكون حلا قابلا للاستقرار: فالسؤال عن طبيعة الوحدة بين المصدرين مصدر المادة (أو ما يدركه الحس) ومصدر الصورة (أو ما يدركه العقل) المتحدين في التجربة حصيلة آل إلى أخطر المواقف الوجودية قصدت حلول المثالية الألمانية التي جمعت بين الموقفين الكنطيين برد الموقف النظري إلى الموقف العملي (وذلك هو مصدر كل الإيديولوجيات الفاشية) قبالة الحلول الوضعانية التي جمعت الموقفين برد الموقف العملي إلى الموقف النظري (وذلك هو مصدر التكنولوجيات الفاشية) والجمع بينهما هو جوهر الفاشية التي اكتملت في العولمة المتوحشة.

http://www.alfalsafa.com/yahia%20al%20atrach.html
موقع أبو يعرب المرزوقي
02 أوت 2009

يحيى الاطرش

عدد المساهمات : 65
تاريخ التسجيل : 31/08/2009

http://www.elfikre.tk

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى